علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
338
الصداقة والصديق
[ لإبراهيم بن المدبّر أيضا ] وله : إني - لا أفقدني اللّه فائدة ودّك - لمّا فقدت ما كنت تطالعني به من كتبك التي كانت منتزهات بصري ، ومراتع لبّي ، ومسارّ قلبي ، وكنت لا تخليني منها ، مبتدئا أو مجيبا ، ولا تحوجني إلى التحريك فيها مستطبا أو مستزيدا ، أعملت الفكر في ذلك فقلت : أجفوة ؟ فكيف يجفو من ليس الجفاء من طبعه ، أم نبوة ؟ فكيف ينبو الشّكل عن شكله ، أم شغل ؟ فهلّا جعلني من شغله ، أم علّة ؟ فكانت أحرى للنادرة بخبره ، أم فرط ثقة منه بي ؟ فذلك لعمري أشبه به ، فلما كانت هذه الخلّة أثبت في الوهم ، وأغلب في الظنّ سكنت نفسي إليها ، وأتت مع سكونها إلّا ما عودتها من النعمة بالمكاتبة ، والإيناس بخبر السلامة . [ لسعيد بن حميد ] سعيد بن حميد : ولكنك - واللّه يتولى عونك - لا تضعف عن حقّ وإن عرضت دونه العلل ، ولا يتسهّل لك سبيل إلى التقصير وإن سهّلها العذر . وله إلى محمد بن عيسى : فأمّا الوحشة لفراقك فعلى حسب الأنس بقربك ، والسرور بمكانك ، وما وهب اللّه منك لإخوانك فإنك بحمد اللّه ممن لا يدخر بودهم مودّة « 1 » ، ولا ينفرد عنهم بنعمة ، ولا يؤثر نفسه عليهم في فائدة ، ولا يسلمهم عند ثلمة « 2 » ، ولا يخليهم من محافظة ورعاية ، ولا أدري أأدعو لك بدوام الحال التي أنت فيها فأعقّ نفسي ، وأوثر برّك ، إلّا أنني أسأل اللّه أن يحسن لك الاختيار حيث استقرّت بك الدار ، وتصرفت بك الحال ، وأن يقينا فيك نوائب الأقدار ، وحوادث الأيام ، بمنّه وطوله .
--> ( 1 ) ج ق - عنهم بوده . ( 2 ) ثلم الحائط وغيره ثلما : أحدث فيه خللا ، وثلم الإناء : كسره من حافته . ومن المجاز : « هذا مما يكلم الدين ، ويثلم اليقين ، وموت فلان ثلمة في الإسلام لا تسدّ » .